سميح دغيم

295

موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي

فمن عرف ربّه بهذه الأسماء الثلاثة فقد عرف معبوده بصفات الإلهية ، ونعوت الربوبيّة ، فظهر بهذا أن هذا الترتيب في غاية الحسن والفائدة . ( لو ، 214 ، 18 ) - تعالى « خالق » لأنّه هو الذي قدّر كل شيء في علمه بالمقدار النافع ، المطابق للمصلحة ، « وبارئ » لأنّه أبدع تلك الأجسام ، وأخرجها من العدم إلى الوجود ، « ومصوّر » لأنّه تعالى هو الذي أحدث المزاج والقوى والتراكيب في تلك الأجسام ، فإذا عرفت وجه الكلام في هذه الصورة الواحدة ، فاعرف مثله في جميع الأجسام العلوية ، وهي الأفلاك والكواكب ، وفي جميع الأجسام السفليّة وهي العناصر ، والمعادن والنبات ، والحيوان ، وخاصة الإنسان ، وتأمل في كيفيّة تركيباتها ، وتأليفاتها ، حتى يقع في بحر لا ساحل له ، وكل ذلك كالتفسير لكونه تعالى خالقا بارئا مصوّرا . هذا كله إذا فسّرنا الخالق بالمقدّر . ( لو ، 215 ، 21 ) - أمّا إذا فسّرناه ( الخالق ) بالموجد والمبدع فإنّه يصعب تفسير البارئ : فنقول : ذكروا في تفسير البارئ وجوها . الأول : أنّ البارئ هو الموجد والمبدع ، يقال : برأ اللّه الخلق يبرأهم ، والبريّة الخلق ، فعليّة بمعنى مفعولة ، وأصله الهمز إلّا أنّهم اصطلحوا على ترك الهمزة فيه قال أبو عبيدة الهروي : العرب تترك الهمزة من خمسة أحرف : البريّة وأصلها برأت ، والرويّة وأصلها رأوت ، في هذا الأمر ، والخابية وأصلها خبأت والنبوّة وأصلها نبأت ، والذريّة وأصلها ذرأت ، فعلى هذا التقدير لا فرق بين الخالق والبارئ ، وهما لفظان مترادفان وردا في معنى واحد . الوجه الثاني : أنّ أصل البرء القطع والفصل ، قال الأخفش : يقال برئت العود وبروته إذا قطعته ونحته ، وبريت القلم بغير همز إذا قطعته وأصلحته ، ويقال : برأت من المرض أبرأ برأ وبريت أيضا من المرض أبرأ ، ويقال برأت من فلان ودعواه أبرأ براءة ، وبرأ الرجل من شريكه ، وبرأ الرجل من امرأته إذا فارقها ، إذا عرفت هذا فنقول إنّه تعالى خالق بمعنى أنّه موجد للذوات والأعيان ، وبارئ بمعنى أنّه فصل بعض الأشخاص عن بعض ، ومصوّر بمعنى أنّه هو الذي يصوّر كل واحد من الأشخاص بصورته الخاصة ، وعلى هذا الوجه ظهر الفرق بين هذه الأسماء الثلاثة . الوجه الثالث : أنّ البارئ مشتقّ من البري وهو التراب ، هكذا قاله ابن دريد ، والعرب تقول بفيه البري أي التراب ، فالخالق يدلّ على أنّه تعالى أوجد الأشياء من العدم ، والباري يدلّ على أنّه تعالى ركّب الإنسان من التراب ، كما قال : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ ( طه : 55 ) ومصوّر من حيث أنّه أعطاه الصورة المخصوصة ، كما قال : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ( غافر : 64 ) . قال أبو سليمان الخطابي : وللفظة الباري اختصاص بالحيوان أزيد مما لسائر المخلوقات ، فيقال برأ اللّه الإنسان ، وبرأ النسم ، ولا تقل برأ اللّه السماء والأرض ، وكانت يمين علي بن أبي طالب عليه السلام التي يحلف بها ؛ والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، وهذا يؤيّد قول ابن دريد ، وأمّا المصوّر فهو مأخوذ من الصورة . وفي اشتقاق لفظ الصورة قولان : الأول : من الصور وهو الإمالة قال تعالى : فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ( البقرة : 260 ) أي أملهن ؛ وفي